فخر الدين الرازي

25

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

يشتغلوا بتسبيح أسمائه ، ومعلوم أن هذا أدل على التعظيم من أن يقال سبح ربك . وثانيها : أنه إذا قيل سبح اسم ربك وقيل سلام اللّه على المجلس العالي ، فمعناه أنه بلغ في استحقاق التسبيح إلى حيث إن اسمه يستحق التسبيح ، وبلغ في استحقاق السلام عليه والتعظيم له إلى حيث صار مجلسه وموضعه مستحقا لهذا التعظيم والتسليم . ومعلوم أن هذا أبلغ في التعظيم مما إذا قيل سلام اللّه على فلان . وثالثها : أنه تعالى قال : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » « 1 » فجعل لفظ المثل كناية عنه ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يجعل لفظ الاسم هنا أيضا كناية عنه ؟ ورابعها : وهو أحسن من جميع ما تقدم أنه لو قال : سبح ربك ، كان هذا أمرا بتسبيح ذات الرب ، وتسبيح الشيء في نفسه لا يمكن إلا بعد معرفته في نفسه ، ولما امتنع في العقول البشرية أن تصير عارفة بكنه حقيقته سبحانه وتعالى ، امتنع ورود الأمر بتسبيحه . أما أسماؤه وصفاته فهي معلومة للخلق فلا جرم ورد الأمر بتسبيح أسمائه . فهذا جملة الكلام في الجواب عن الحجة الأولى . وأما الجواب عن الحجة الثانية : فنقول إن قوله تعالى : « ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها » « 2 » يدل على أن الاسم غير المسمى لوجهين . الأول : أن قوله : « إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها » يدل على أن تلك الأسماء إنما حصلت بجعلهم ووضعهم ، ولا شك أن تلك الذوات ما حصلت بجعلهم ووضعهم ، وهذا يقتضي أن الاسم غير المسمى . الثاني : أن الآية تدل على أن اسم الإله كان حاصلا في حق الأصنام ، ومسمى الإله ما كان حاصلا في حقهم ، وهذا يوجب المغايرة بين الاسم والمسمى ويدل على أن الاسم غير المسمى . ثم نقول : المراد بالآية أن تسمية الصنم بالإله كان اسما بلا مسمى كمن يسمى نفسه باسم السلطان وكان في غاية القلة والذلة ؛ فإنه يقال إنه ليس له من السلطنة الا الاسم فكذا هنا .

--> ( 1 ) جزء من الآية 11 من سورة الشورى . ( 2 ) جزء من الآية 40 من سورة يوسف .